الرئيسية » منوعات » الدين و الحياة » الهجرة النبوية وتغيير مسار التاريخ البشري 

الهجرة النبوية وتغيير مسار التاريخ البشري 

شيماء محمد عبدالله

بعث الله نبيه محمد صلي الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين إلى البشرية وأمره بالتبليغ والإنذار وأن يدعو الناس إلى التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك وترك عبادة الأصنام، فأمن به بعض الناس وكفر به الأخرون بل صاروا يؤذونه هووصحابته، وعندما اشتد أذاهم هاجر بعض الصحابة إلى الحبشة وكانو نحو ثمانين شخصًا من بينهم عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب.

والتقى الرسول صلي الله عليه وسلم بمجموعة من أهل يثرب من الخزرج فى الموسم، ودعاهم إلى اعتناق الإسلام، فأسلموا وازدادت نسبة اعتناقهم للإسلام فى العام التالي، فبعث معهم الرسول مجموعة من الصحابة ليعلموهم القرأن ويعملوا علي نشر الإسلام هناك، فازداد أعداد المسلمين فى يثرب، وحينها دعا الرسول المسلمون إلى الهجرة إلى المدينة ، فاستجابوا له وهاجر بعض المسلمين ليلًا بينما هاجر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه أربعون من المسلمين المستضعفين فى النهار حاملًا سيفه قائلًا بصوت مرتفع “يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصل رأسه أو تثكله أمه أو تترمل أمرأته أو ييتم ولده أو تذهب نفسه فليتبعني وراء هذا الوادي فإني مهاجر إلى يثرب”، فلم يستطيع أحدًا منهم منعه أو أذيته.

واجتمع سادة قريش فى دار الندوة وكانوا قد شعروا باستعداد الرسول للهجرة فخافوا من أن تصبح المدينة مركز للمسلمين مما يؤثر بالسلب على تجارتهم، فقال بعضهم: نخرج محمدًا من بلادنا فنستريح منه، وقال الآخرون: نحبسه حتى يموت، وقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة شابًّا قويًّا، ونعطي كلا منهم سيفًا صارمًا قاطعًا لينقضوا على محمد،ويضربوه ضربة قاتلة، وهكذا لا يستطيع عبد مناف “قوم محمد” محاربة القبائل كلها، فيقتنعون بأخذ ما يريدون من مال تعويضًا عن قتل محمد، وجلس الشيطان فى المجلس بينهم في صورة شيخ نجدي، وعلق على رأى أبو جهل بحماسة قائلًا : القول ما قال الرجل، وهذا الرأي لا رأى غيره، فاتفقوا جميعًا على قتل رسول الله كما خطط ابو جهل ، وقال تعالى عن هذا الاجتماع فى كتابه “إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله وأخبره بما يجهزه له المشركون من محاولة لقتله وأمره بأن لا يبيت فى مضجعه، ويستعد للهجرة، فطلب الرسول من على بن أبي طالب أن يبيت فى مضجعه ويتغطى ببردته، وأخبره أنهم لن يستطيعوا أذيته وأمره بالبقاء فى مكة حتى أن يرجع الأمانات التى وضعها أهل مكة عند رسول الله إلي أهلها ، وكان قصد النبي من تلك الخطة هى تضليل المشركين فيظنوا أنه مازال فى مضجعه، ففعل وخرج الرسول وهم واقفون على بابه حاملًا حفنة من التراب ونثره على رؤوسهم وهو يتلو أيات من سورة يس قائلًا “يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُون لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ”، فعماهم الله عن رؤيته، حتى أت شخصًا فرأهم وهم على رؤوسهم التراب فقال لهم : خيبكم الله، قد خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، أفما ترون ما بكم؟ فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فوجدوا عليهم ترابًا، فنظروا إلى داخل الدار فوجدوا شخصًا على الفراش فظنوا أنه محمدًا فاقتحموا الدار ، فوجدوه عليًا.

وكان الرسول قد ذهب إلى منزل أبي بكر، وخرجوا سويًا من باب صغير قي نهاية الدار ودخلوا إلى غار ثور للاختباء به ، وكانت هجرته ليست من أجل سلطة أو جاه أو راحة أو شهرة بل من أجل نشر الإسلام وإقامة الدولة، دخل أبي بكر الغار أولًا ليتأكد من عدم وجود حيات أوعقارب وقم بسد الفتحات الموجودة ثم دخل رسول الله، وعندما وصل المشركين إلى الغار ققال أبو بكر لرسول الله : يا رسول الله لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، والمعية المقصودة هنا هى نصر الله لهما وليس وجود الله بذاته معهما، وبالفعل حماهم الله منهم ولن يدخلوا الغار رغم أن الفرق بينهم وبين الغارأمتار، وقال تعالى فى ذلك “إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم”، وظلوا فى الغار ثلاثة أيام وكان عبدالله بن أبي بكر يحمل لهم أخبار اليهود ليلًا وأخته أسماء بنت ابي بكر تحضر لهما طعامًا، وكان عامر بن فهيرة راعي غنم أبي بكر يسير بالأغنام فوق آثار أقدامهما حتى يخفيها ولا يتمكن أحد من متابعتهما، وبعد مضى ثلاثة أيام خرج الرسول وأبي بكر للهجرة وأخذوا عبد الله بن أريقط كدليلهما في الهجرة فى مقابل أجر.

وفى الطريق وجدوا فارسًا مقبلًا عليهم وكان سراقة بن مالك، حيث كانت قريش جعلت مائة ناقة جائزة لمن يحضر لهم رسول الله حيًّا كان أو ميتًا، فغاصت أقدام فرسه بالرمال مرتين، فنزل منه مسرعًا فغاصت أقدامه فى الرمال، حينها تأكد من أن الله يحفظ رسوله فطلب من الرسول العفو وعرض عليه الزاد فرد عليه قائلًا (لا حاجة لنا، ولكن عمِّ عنا الخبر) فوعده سراقة أنه لن يخبر أحدًا.

وكمل الرسول وصاحبه الهجرة، وفى الطريق دخلوا إلى خيمة سيدة تسمى أم معبد الخزاعية وكانت معروفة بكرمها، وطلبا منها شيئًا من الطعام فقال لهما أنها لا تملك شئ لأن السنة كانت شديدة القحط، فسأل الرسول عن شاة فى جانب الخيمة فأخبرته أنها شاة منعها المرض عن الخروج إلى المراعي مع بقية الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فأخذ الرسول يمسح بيده ضرعها، وسمى الله ثم دعا الله ، فطلب إناءًا فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقى السيدة حتى شبعت وسقى أبا بكر وعبد الله بن أريقط حتى شبعا ثم شرب هو ، وحلب في الاناء مرة أخرى حتى امتلأ وتركه وانصرف.

وكان أهل المدينة ينتظرون قدوم النبي فيخرجون كل يوم بعد صلاة الفجر إلى مشارف المدينة منتظرين قدوم النبي ويعودون لبيوتهم عند اشتداد حر الظهيرة، وذات يوم وقفوا ينتظروا أهل المدينة قدوم النبي ولم يأتى فعادوا لمنزلهم عند اشتداد الحر، وبعدها أقبل الرسول وصاحبه، فرأهم رجلًا يهوديًا كان واقفًا على نخلة، فصاح : يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، فخرج المسلمون مسرعين لاستقبال الرسول وأبي بكر.

وظل الرسول في بيت سعد بن خيثمة فى قباء أربعة أيام لاستقبال الناس، وأسس أول مسجد فى الإسلام وهو مسجد قباء “لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين” ، وأطلق رسول الله اسم المدينة المنورة على مدينة يثرب وأهلها سماهم الأنصار وكانوا معروفون بإجادتهم القتال.
وبذلك فقد أعز الله المسلمين وأصبحت لهم دار وبلدة أمنة، وبنى لهم مسجدًا لعبادته، ولهذا السبب اتفق الصحابة أن تصبح الهجرة النبوية هى بداية للتاريخ الإسلامى.

شاهد أيضاً

عبدالقادر : الرئيس السيسى ينتصر لأصحاب المعاشات ويوجه الحكومة لرد مستحقاتهم

كتب – أسماء علي أشاد النائب تامر عبدالقادر، عضو مجلس النواب، بقرار الرئيس عبدالفتاح السيسى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*