
ذخر التاريخ بالعديد من العلماء، لاسيما علماء اللغة العربية، من بينهم عالم اللغة والكاتب والمفكر، الوَرِع الزاهد الشيخ أحمد راتب النفاخ، العالم اللغوي السوري البارز، فهو من أعلم علماء زمانه في علوم اللغة العربية، وآدابها والقراءات والتفسير، عرف بولعه الشديد باللغة العربية منذ نعومة أظفاره، فقد كرس حياته لدراسة علومها، ومن ثم تدريسها بكل حب، فهو علاَّمة الشام وريحانتها كما أُطلق عليه.
نشأة الأستاذ أحمد راتب النفاخ
ولد أحمد راتب النفاخ عام ١٩٢٧م بدمشق، لأسرة وافدة من بعلبك بلبنان، أصولها من حواران، ثم انتقلت إلى بعلبك.
مراحل تعليمه
بدأ تعليمه في عمر الرابعة، في كتَّاب قرب مسجد الشيخ محيي الدين بن عربي، في منطقة الصالحية، ثم التحق وهو في السادسة من عمره بمدرسة الصالحية الإبتدائية، ومنها ظهرت عليه علامات النبوغ في اللغة، والتي أدركها فيه أساتذته، ثم ازدادت عبقريته اللغوية في المرحلة الثانوية.
لاحظ عليه أستاذه الشاعر محمد البزم آنذاك مهارته وبراعته، فشجعه وأثنى عليه، وأصبح من المواهب الفذة بين أقرانه.
التحق بعد ذلك بالمعهد العالي للمعلمين، وتخرج من قسم اللغة العربية بعد أربع سنوات بتفوق ملحوظ على زملائه.
ثم التحق بعد ذلك بكلية التربية جامعة دمشق “الجامعة السورية الآن”، وحصل منها على شهادة أهلية التعليم الثانوي لعام (١٩٥١م)، وهو ما يُعرف الآن (بدبلوم التأهيل التربوي).
حصل على درجة الماجستير بمرتبة الشرف من جامعة القاهرة “١٣٧٨ه/ ١٩٥٨م”، وكان موضوع دراسته عن الشاعر ابن الدُّمَيْنة وتحقيق شعره، ونشر التحقيق عام ١٩٥٩م.
ثم أقدم على رسالة الدكتوراه في القراءات القرآنية ولكن آثر ألا يناقشها، اعتقادًا منه أنه يعتريها النقص، ولم تبلغ مرحلة الكمال لعظمة لغة القرآن الكريم، فأحجم عن اللقب الذي لطالما طمح إليه الكثير ممن هم أقل منه شأنًا.
حياته العملية
عُيِّن الأستاذ أحمد راتب النفاخ مدرسًا للغة العربية بإحدى مدارس حوران الثانوية لمدة عامين، كان خلالهما نعم المعلم الأمين، فحاز على إعجاب طلابه، مما جعله يخطف قلوبهم، فاتخذوه قدوة لهم، ومثالًا يحتزى به.
أينما حل اتخذ مقام العالم الجليل، نافذ البصيرة، أمين على لغة القرآن، وقد ظهر ذلك جليًا حينما كتب مقالة لتصحيح بعض ما ورد من أخطاء تتعلق بتحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن لكتاب الغفران، وذلك بعد أن أثنى عليها وشكر مجهودها، مما دفعها لتلاشي تلك الأخطاء في الطبعة الثانية.
ثم بدأ يتدرج في المناصب بدايةً من تعيينه مدرسًا بالمرحلة الثانوية، مرورًا بتوليه منصب معيد بقسم اللغة العربية بجامعة دمشق عام ١٩٥٣م.
انتُخِب الأستاذ أحمد راتب النفاخ عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق عام ١٩٧٦م، وقد أولى اهتمامًا بالغًا بالمجمع، وقد ظهر ذلك واضحًا من خلال
- أعمال لجنة اللغة العربية والأصول.
- لجنة المجلة ومطبوعات المجمع.
- لجنة مخطوطات دار الكتب الظاهرية.
- ومن ثم لجنة المخطوطات وإحياء التراث.
- وانتهى به المطاف رئيسًا للمقريين بالمجمع عام ١٩٧٩م، وظل في منصبه حتى وافته المنية عن عمر يناهز ٦٥ عام.
مؤلفاته
- النصوص الأدبية “منهاج شهادة الثقافة العامة في كلية الآداب”، مطبعة الجامعة السورية ١٣٧٤ه/ ١٩٥٥م.
- مختارات من الشعر الجاهلي، مكتبة دار الفتح، دمشق ١٩٦٦م.
- فهارس شواهد سيبويه، دار الإرشاد ودار الأمانة، بيروت ١٩٧٠م.
الكتب التى قام بتحقيقها
هناك عدد من الكتب قام بتأليفها الراحل وهي:
ديوان ابن الدُّمَيْنة
صنعة أبي العباس ثعلب ومحمد بن حبيب _ تحقيق أحمد راتب النفاخ _ مكتبة دار العروبة، القاهرة _ ١٩٥٩م، وهي جزء من رسالة الماجستير الخاصة به.
مقالاته:
نشر الأستاذ أحمد راتب النفاخ عدداً لا بأس به من المقالات في
- مجلة الكتاب المصرية.
- مجلة معهد المخطوطات العربية.
- مجلة العرب.
- ومجلة مجمع اللغة العربية بدمشق.
لوحظ قلة عدد مؤلفات الأستاذ الجليل أحمد راتب النفاخ، وذلك لحرصه على التروي وإمعان النظر في ما يكتب، و تركيزه الشديد للتحقق والتثبت من كل معلومة، ليُخرج لنا مؤلفات تكون مرجعًا لنا في أي زمان ومكان، بل وحرصه الشديد على اللغة الأم، والذي زادها تشريفًا وإجلالًا أنها لغة القرآن الكريم.
وفاته
رحل الأستاذ أحمد راتب النفاخ عن عالمنا، في صباح يوم الجمعة الموافق ١٤ فبراير عام ١٩٩٢ بعد أن أدى فريضة الصبح، ثم شرع إلى مصحفه، وبدأ يقرأ القرآن الكريم إلى أن فاضت روحه.