المقامات الصوتية .. أكتشافها وتنوع أداءها

المقامات الصوتية .. أكتشافها وتنوع أداءها
أم كلثوم

تُرى.. أيهما كان الأسبق إكتشافًا؟ المقامات الصوتية في الموسيقى ؟ أم المقامات الصوتية في تلاوة القرآن؟ وأيهما كان المؤثرعلى الثاني؟ والمقام لغةً: هو المكان أوالمجلس أوالضريح أوالمناسبة أوالمنزِلة أوالرقم أسفل الكسرأوالحالات الوجدانية الثابتة التي ينالها المتصوف أو.. تسلسل النغم درجةً فوق أخرى.

المقامات الصوتية

والمقامات الصوتية لما لها من تتابع نغمات متسق ومتوازن، ترِقّ لها الآذان، فتُحدِث في النفس عذوبة ومتعة، وقد طرِب الإنسان الأول لأصوات زقزقة العصافير، وأمواج البحر، والمطر، وعُـدّت تلك الأصوات: أول اكتشاف للدرجات الموسيقية.

وقد إستُخدمت تلك الدرجات الثلاث ورابعها الجواب، في تلاوة التوراة، ثم الإنجيل، كما استخدمت هذه المقامات الصوتية الثلاث وجوابها في نشيد “نحن غرابا عك” الذي كان الحجاج اليمانية يتلونه أثناء الطواف بالكعبة.

إلى أن جاء عبيدالله بن بكرة الثقفي سنة (32هـ) ليكتشف أن للصوت 7 درجات وثامنها الجواب، واكتشف ذلك من خلال النغم الذي انتشر في تلك الآونة والذي عُرف بالنغم الحجازي، وكان عبيدالله (635- 698م) تابعياً، وأبوه صحابي راوٍ للحديث النبوي.

لفتت لفظة “الله أكبر” إهتمام عبيدالله، وكيف أنها تٌنطق في الأذان بنغمة غير تلك التي تُنطق بها أثناء الصلاة، ومن هنا بدأ في تكوين أداءات صوتية متعددة، تعبّر إحداها عن السرور وأخرى عن الحزن وثالثة عن التحذير والنذير.

وباعتبار أن كلمة مقام وردت في القرآن بمعنى درجة أو وصف للحالة، وعليه سُمّيت الدرجات الصوتية، وبما تُحدِثثه في النفس من حالة: المقامات الصوتية.

وكان الثقفي أول مَن أطلق على هذا النغم تسمية المقام، فقد وجد أن كل طبقة صوتية يؤلفها، تُصوّر حالة شعورية، كالبهجة أوالخوف أوالفخَار، والفارق بين كل مقام وآخر هو أَبعاد كل مقام صوتي، ثم كان الثقفي أول مَن استخدم تلك المقامات الصوتية في قراءة القرآن.

ثم تطور الأمر لتسمية تلك المقامات الصوتية، فأُطلق على درجة (دو) تسمية الراست بمعنى الأساس، وعلى درجة (مي): سيكا، وهي مسميات فارسية.

ولمّا كان قد قيل أن القرآن نزل بمكة، و قُريء في مصر، فقد أتى إلى مصر في العام (300هـ) العالِم والفيلسوف محمد أبوالنصر الفارابي، ومكث الفارابي (10) سنوات يسمع القرآن من قُرّائها، ثم ألّف كتابين هما: إحصاء الإيقاعات ـــ الموسيقى الكبير، وهما العمدة في تدريس الموسيقى في العالَم إلى الآن.

عن الأزمنة المحصورة بين النقرات الجمهورية.نت

د.طه عبد الوهاب والمقامات الصوتية

وقد نُقل عن د. طه عبدالوهاب ـ خبير الأصوات والمقامات الصوتية، قوله: “أن أصل الموسيقى هو من القرآن الكريم، فالموسيقى بُنيت على سلم يُسمى عند الشرقيين بمقام العجم، أما في الغرب فيُطلق عليه:(دو ماجير) أو: سلم (دو الكبير) وأثبت الرجل أن أبعاد السلم الموسيقي، وتحديد النصف تون بين درجتي (سي ـ دو) & (مي ـ فا) مستنبطة من القرآن الكريم.

واستشهد على ذلك بالآية: {وأنزَلَ مِنَ السّماءِ ماءًا} فإنزال الماء يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا قرأها القاريء من أسفل إلى أعلى فلن يستطيع التحكم في طول الغُـنّة وسيطول منه الحرف، أما إذا قرأها بتصوير صوتي صحيح من أعلى إلى أسفل، فسينضبط زمن الغُـنّة، ليكون مكان نصف التون بين (دو ـ سي) في أعلى السلم.

وباستكمال الآية: {فأخرج بِهِ مِنَ الثّمَراتِ رِزقاً لَكُمل} (سورةإبراهيم:32) تنعكس الصورة الصوتية، فالنبات يخرج من أسفل إلى أعلى، لذلك وَجَب على القاريء أن يقرأها من أسفل إلى أعلى، وإلا أضطر إلى قلقلة الخاء، مما يُفسِد القراءة، واستدل د. طه عبدالوهاب بذلك على أن السلم الذي بُنِيت عليه الموسيقي إنما هو في الأصل إبداعٌ قرآني.

واستدل بآية أخرى وهي: {إذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إنّ اللَّه مَعَنا} إذا قُرِئت بمقام الصبا، فقد أُسِـيء توصيل المعنى للسامع، لأن مقام الصبا يوحي بالحزن، في حين أن الرسولﷺكان يبشر ويطمئِن صاحبَه، فوَجَب أن تُقرَأ بمقام السيكا، الذي يبعث على السرور والطمأنينة.

فإتقان التلاوة يتأتّى من توظيف المقامات الصوتية لتوصيل وإبراز المعني في الآية المتلوّة، والمقام يخدم المعنى  لا المغنى، والفرق بينهما نقطة، وهي التدبر، يقول الجاحظ: “إن المعنى إذا اكتسَى لفظاً حسناً، وأعاره البليغ مَخرَجاً سهلاً، ومَنَحَهُ المتكلم دِلّاً متعَـشّـقاً، صار في قلبك أحلى ولقلبك أملَى”

وقد كان المصريون يصفون القاريء الماهر بالقرآن بأنه: “حِسّه حلو” فقراءة القرآن تعتمد على الإحساس بكل كلمة وكل آيه، لذا فقد تمايز القراء العِظام وتباروا في توصيل معاني الآيات، كلٌ بحِـسّه، محمد رفعت ـ عبدالباسط عبدالصمد ـ مصطفى إسماعيل ـ محمد صديق المنشاوي ـ الطبلاوي ـ محمود خليل الحصري.

ولكل آية من القرآن مقامٌ لَزَمَ أن تُقرأ به بحسب مقتضى الآية، فالآيات التي تصف الجنة يناسبها مقام الراست، وآيات الحزن والندم يناسبها مقام الصبا، وآيات المحاورة والوصف يناسبها مقام النهاوند، وآيات الأوامر الإلهية يناسبها مقام العجم (مقام الملوك) ويُقرؤ من أعلى (من الله) إلى أسفل (إلى الإنسان) وآيات التوحيد يناسبها مقام البياتي.

مقامات التلاوة

وقرّاء القرآن يستخدمون سبع مقامات في قراءاتهم هي: الصبا والسيكا والراست والبياتي (المقامات الشرقية) والنهاوند والكورد والعجم (المقامات الغربية) ويمكن دمجها في “صنع بسحرك”

والمقامات الصوتية في التلاوة تختلف عن “القراءات” فقد ورد عن الرسول (ص) قوله: أقرأني جبريلُ على حرفٍ فراجعتُهُ، فلم أزل أستزيدُه ويَزيدَني حتى انتهى إلى سبعة أحرف” (حديث رقم 4991 صحيح البخاري)

ومن هنا جاء اللبس بين المقامات الصوتية، والقراءات، فالمقامات هي كما قدمنا، أما القراءات فهي إختلاف أو كيفية نطق كلمات القرآن من: تخفيف لحروف أوتثقيلها وغير ذلك، وكان ذلك بسبب تباين لهجات قبائل الجزيرة العربية وقت نزول القرآن، فكانت كل قبيلة تنطق الكلمات وفقاً للهجتها.

والقراءات المشهورة هي:

القراءات المشهورة، عشر قراءات:

  1. نافع: وهو أبو رؤيم قاريء المدينة من تابعي التابعين، و روَى عنه: قالون و ورش.
  2. ابن كثير: وهو عبدالله بن كثير قاريء مكة، تابعي، و روَى عنه: البزي و قنبل.
  3. أبوعمرو: وهو زبان بن علاء البصري، و روَى عنه: الدوري والسوسي.
  4. ابن عامر: وهو عبدالله بن عامر التابعي الدمشقي، و روى عنه: هشام بن عامر وابن ذكوان.
  5. عاصم بن أبي النجود: وهو تابعي قاريء الكوفة، و روى عنه: شعبة و حفص.
  6. حمزة بن حبيب الزيات: من قراء الكوفة، و روى عنه البزاروالصيرفي.
  7. الكسائي: علي بن حمزة النحوي، من قراء الكوفة، و روى عنه ابن خلد وحفص.

وهذه هي القراءات التي اقتصر “الشاطبي” على ذِكرها.

والتالي هي القراءات التي تواترت عن الرسول (ص):

  1. أبو جعفر يزيد بن القعقاع: وهو تابعي مدني، و روى عنه: ابن وردان وابن جماز.
  2. يعقوب بن إسحق: الحصرمي البصري، و روى عنه: رويس وروح البصري.
  3. خلف بن هشام البزار: البغدادي، و روَى عنه: إسحق الوراق وإدريس الحداد.

وهنا قد نستطيع الإجابة على السؤال الذي صدّرنا به هذا المقال، أيهما كان الأسبق ؟ المقامات الصوتية الموسيقية ؟ أم المقامات الصوتية في التلاوة ؟
إقترح الشيخ زكريا أحمد (1896-1961) تلحين القرآن، بدافع الرغبة في حفظ إبداعات القراء العِظام من الضياع أو النسيان، فرفض الأزهر الفكرة.

الشيخ زكريا أحمد

والشيخ زكريا أحمد هذا، كان هو مَن علّم أم كلثوم الغناء، أما مَن علّم محمد عبدالوهاب الغناء فكان الشيخ محمود علي، وكان الظهور الأول للمطرب المميز مدحت صالح في برنامج تليفزيوني.. يصدح بالقرآن بصوت عذب، أي أن أساطين الغناء والموسيقى العربية تربوا وتعلموا على أيدي مقرئين، إكتسبوا مهارة الموسيقى من إتقانهم لقراءة القرآن.

كتاب اونلاين العود و طريقة تدريسه للموسيقار العراقي جميل بشير

سمِعتُ الشيخ الشعراوي يقول، ردا على سؤال في تحريم المعازف والغناء، أجاب: أن مَن يستمع إلى الغناء يهدف إلى الإنسجام والمتعة، وأنا أنسجم وأستمتع بسماع القرآن، فليسمع كلٌ ما يُمتعُه.أ.هـ

وفي كل الأحوال.. هي أشكال من المقامات الصوتية.