نعوش توقفت وأخرى طارت.. حقيقة أم خيال؟

بين الحين والآخر تطالعنا المواقع الإخبارية ومنصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار تتناثر هنا وهناك حول قصة مَشاهد النعوش الطائرة والمتوقفة في الجنازات, فلا يكاد يمر شهر في مصر أو حتى في أي بلد عربي إلا وتثار مثل هذه الظاهرة, التي ينقسم إزاءها الناس بين مؤيد ومعارض, وتتحول إلى مادة إعلامية دسمة لوسائل الإعلام على اختلاف أنواعها, وتعج نوافذ صفحات الفيس بوك بالبث المباشر للاستماع إلى شهود العيان من حاملي الجنازات وأقارب المتوفيين أبطال القصة, وفي هذا المقال نستعرض هذه الظاهرة بشكل أكثر عمقًا للخروج بتوصيف واقعي, يجيب على سؤال هل توجد حقيقًة نعوش تتوقف وأخرى تسرع, بل تطير؟

وقبل أن نحلل تلك الظاهرة نشير هنا إلى نماذج وصفية من الجنازات, لننطلق منها إلى التحليل العميق لتلك الظاهرة, نبدأ بتلك القصة التي أثارت حيرة المواطنين في محافظة الشرقية الشهر الماضي, وأصبحت محتوىً رائجًا “تريند” حيث أظهر فيدو مصور توقف نعش الميت عند محاولة المشيعين المرور من أحد الشوارع الجانبية, واستمر الميت في عناده وإصراره على عدم المرور من هذا الشارع لعدة ثوان إلى أن قرر المشيعون أن يسلكوا طريقًا آخر!

النعش الطائر

أما الظاهرة الثانية فكانت هذه المرة من صعيد مصر, وتحديدًا في قرية “حاجز بني سليمان” التابعة لمركز بني سويف, ففي صبيحة يوم الاثنين من شهر مارس الماضي, شهدت القرية إن جاز لنا التعبير “عرسًا جنائزيًا” فقد اعتدنا أن يصاحب الموت دموع منهمرة وصراخ وعويل ومشاعر حزن متعددة الأشكال, لكن ما حدث هو انقلاب في المشاعر, حيث تحولت جنازة الشيخ الأزهري “عبد الله جاد” العالم الأزهري إلى احتفال بهيج, فقد رفع المشيعون الرايات الخضراء, وضج المشهد بالتصفيق والتكبير مع ترديد الأناشيد الإسلامية وسط ابتسامات رسمت على وجوه الكثيرين, وكان الحدث الأغرب هو رفض جثمان الشيخ عبد الله أن يدخل مقبرة عائلته بالقرية! وتوقف النعش وكأنه “يقول لن أدخل هذا القبر, وضعوني في مقام عمي”, وعمه هو الشيخ بيومي أحد مشايخ الطرق الصوفية, فلم يجدوا بدًا من أن يذهبوا به صوب عمه الشيخ المبروك” وحين توجهوا به إلى المقام استشعر حاملو النعش سرعة رهيبة في الإقبال على المقام ورددوا جميعًا “النعش طاير”.

ما رأي الدين في توقف نعش الميت وطيرانه؟

بعد أن ذكرنا نماذج للنعوش المتوقفة والأخرى الطائرة, والتي لا يمر شهر إلا ونسمع عنها مرة هنا وأخرى هناك, كان لزامًا علينا ألا نسلم بهذا, ونتعامل مع تلك الظاهرة بمنهجية علمية؛ لذا طرقنا كل سبيل يوصلنا إلى الحقيقة, كان أهمها بلا شك “الدين” باعتبار أن الشعوب العربية والإسلامية يغلب عليها التدين واللجوء إلى الدين فيما استشكل من قضايا, وهنا وردت تساؤلات عدة من طالبي الفتوى لاستظهار الرأي الشرعي في حقيقة توقف نعيش الميت أو طيرانه, فقد بعث سائل برسالة بعث إلى موقع فتاوى الإمام بن باز قائلًا: حدث عندنا أن ميتاً كان يحمل في النعش ولكن النعش أصبح يجري بمفرده, وأخذ يلف في أنحاء البلدة، ولم يتمكن أحد من توقيفه حتى شاء الله وأركبوه السيارة للذهاب إلى المقابر, فما تفسير هذه الظاهرة؟ هل كرامة من أولياء الله؟ أم خوف من الجليل؟

هنا جاءت الفتوى مثيرة للعجب! بل أعجب حتى من الظاهرة نفسها التي ورد السؤال بشأنها, حيث جاء في فحوى الفتوى أن هذا في حال ثبوته هو من عمل الجن, لإيهام الناس بصلاح الميت, فيتخذوه وليًا ويبنوا على قبره مسجدًا ليعبده الناس من دون الله, واعتمدت الفتوى على نص من القرآن وهو قول تعالى” إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم”, حيث استنبط صاحب الفتوى من الآية أن اختفاء الجن عن أعيننا نحن البشر تجعلهم يفعلون أمورًا عجيبة ليفتنوا الناس, ويجب ألا يُلتفت إلى هذا فهو من عمل الجن.

في الحقيقة أن هذه الفتوى لم تثلج صدري, ورأيتها زادت الأمر غموضًا, بل تزيد من التِيه وتفتح أبوابًا أخرى لمزيد من التفسيرات الغامضة في كثير من ظواهر مجتمعية ليس مجالًا لاستعراضها في هذا المقال, نذكر منها ظاهرة احتراق البيوت والتي كان بطلها هو “الجن والعفاريت”.

لذا هداني تفكيري إلى البحث عن إجابة أخرى لعالم أزهري نهل من غزير علم الأزهر في الفقه والشريعة, فوجدت إجابة شافية ذكرها الدكتور محمد سيد سلطان أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وشيخ عمود بالجامع الأزهر الشريف, فقد سأله سائل: هل طيران نعش الميت حقيقة أم خرافة؟ هنا يجيب الدكتور سلطان قائلًا: أنه قد ورد في صحيح البخاري أن عرش الرحمن قد اهتز لموت الصحابي الجليل سعد بن معاذ لمنزلته, وأن جنازته كانت خفيفة حتى أنها كانت تعلو عن الأيدي, وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن الملائكة كانت تحمل نعشه وهذه منزلة وكرامة أقرها النبي, وأوضح سلطان أنها قد تحدث لأصحاب الكرامات إن كانوا كذلك وليس بفعل فاعل, معقبًا أن غالبية ما يحدث اليوم ليس من باب طيران النعوش وإنما من يطير بها هم حاملوه لاعتقادهم بصلاح الميت.

النعوش الطائرة لعبة سياسية.. كيف ذلك؟

بعد أن خلصنا إلى نتيجة مفادها: “أن توقف الميت أو طيرانه عند حمل الجنازة قد يحدث لأصحاب الكرامات, لكنه أمر خفي علمه إلى الله, يصعب الاستدلال على كونه كرامة حقيقية أم بفعل فاعل, نطرق بابًا آخر, وهو ما يعرف بعلم نفس الخوارق, ويطلق عليه مصطلح  “الباراسيكولوجى” وهذا الاتجاه ربما يناقض الدين بعض الشيء في القول بانتهاء زمن الكرامات, مستدلين بالآية القرآنية “وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون”, حيث ورد في كتاب علم الخوارق, وهو أشهر كتب هذا التخصص أن هناك حربًا افتعلها المعسكران الشيوعي والرأسمالي, وهي “حرب الإشاعات” اعتمدا فيه على نشر أخبار الخوارق والكرامات, بل خصصوا لها مؤسسات وأفردوا لها دراسات لأجل تخويف الآخر معتمدين على جهل الناس وتخلفهم, ويضيف المؤلف أنهم استخدموا طرقًا للنصب والجدل ترجع بالأساس إلى مبادئ علمية أو حيل خادعة, وذكر من أمثلتها شائعة “طيران نعوش الأولياء”, وهي في الحقيقة خدعة لتكريس السلطة, ليلبسوا أصحاب الساسة ثوب الكرامة وتجب لهم الطاعة العمياء.

الميت المتحدث في النعش

الآن أشعر بك وأنت تشمئز وينتابك القلق, وربما التفكير العميق؛ فهيا بنا لنخرجك من هذا الجو الكئيب إلى زاوية أخرى نستكمل فيها ظاهرة توقف النعوش وطيرانها, ولكن هذه المرة على الطريقة الغربية وهي أكثر درامية, تجعل من الموت فرحًا والدموع ابتسامات, إنه الميت المتحدث في نعشه فكيف ذلك؟!

فبحسب ما أوردته مجلة “دير شبيغل” الألمانية أن رجلًا أيرلنديًا يدعى “شاي برادلي” كان يعمل ضابطًا متقاعدًا في الجيش الإيرلندي توفي, ووضع في تابوته حيث مراسم الدفن, وبعدها حدث شيء غريب قبل أن يهيلوا عليه التراب! حيث فوجئ مشيعوه بصوت “برادلي” يتحدث إليهم بصوته الحقيقي يقول: “أين أنا بحق الجحيم؟ دعوني أخرج من هذا الظلام, هل يوجد شاي؟” وبدأ يغني حتى انفجر المشيعون من الضحك, ساعتها أدرك المشيعون أن هذا الصوت هو صوت “برادلي” الحقيقي, قرر أن يسجله قبل وفاته وأوصى بوضعه داخل التابوت وتوصيله بمكبرات صوت؛ ليرسم البسمة على وجوه مشيعيه, حيث كان “برادلي” صاحب دعابة في حياته.

خلاصة

إذاً نخلص من هذا التتبع لظاهرة حركة النعوش وطيرانها, أن الإسلام ممثلًا في الأزهر الشريف أثبتها في عصر النبوة حيث المعجزات والكرامات ودليلهم ما ورد عن وفاة سعد بن معاذ ولم ينكر حدوثها في هذا العصر إن لم تحدث بفعل فاعل, بينما أرجعها البعض إلى فعل الجن لإحداث فتنة عقدية, في حين أرخ لها البعض إلى المنافسة السياسية على السلطة بين القطبين الاشتراكي والرأسمالي, واتخاذهم من الخوارق العلمية والخدع وسيلة لتوطيد أركانهم في الحكم, بينما كانت الظاهرة في الغرب لا تخرج عن كونها دراما كوميدية لا علاقة لها بدين أو سياسية.

هنا انتهت قصة المقال وأرحب بتعليقاتكم قرائي الأعزاء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.