ثمانية عشر يوما في الجنة

” درويش وحاير بين البلاد
ببيع الورد بسعر التراب
مين يشتري من غير حساب
دا كل الوفا
عندي ببلاش”

استقر به المقام في مربع صغير بين ألوف من البشر، أمواجهم تروح وتغدو كأمواج البحر العاتية، في يوم شديد البرودة، كان المشهد غير مألوف على الإطلاق، لم يأتلف مثله قبل سبعين عاما، وأصوات هتاف تزلزل أرجاء المكان، وعلى مد البصر تفترش الأرض بالمخيمات، التي يلتف حولها الصحب والرفقة، أمام شعلة وقودها الفحم والخشب للتدفئة.
بالورد الذي يحمله والحقيبة المعلقة على كتفه، بدا يجول بينهم وعليه أثر التعب والإرهاق، ربما استمع إلى كلمة من هنا أو هناك، أو أنصت إلى حوار يقوده نحو الحقيقة الغائبة.
– ياللي بتسأل إحنا مين.. إحنا الناس التعبانين.
– عدالة إجتماعية.. عيش..
– أنا مواطن تعبان.. في البلد التعبان
– إشترى يا هانم
تشتري يا بيه
معايا الورد البلدي الأحمر
معايا ماركات العطور
– هات وردة
– وأنا كمان هات خمسة
– قال خمسة مين يزود
– هات اللي معاك كله وتعالى ارتاح جنبي.
رفع يده عن العمل وانعقد لسانه عند هذه الكلمة، ومد بصره إليه وهو يعيد ذات الكلمة وفي يده حزمة من الأوراق النقدية يشير بها نحوه.
” هات اللي معاك وتعالى ارتاح جنبي” .
امتزجت مشاعره بين فزع وفرح، وخوفا من أن يكون هذا العرض فقط للإستهزاء به وبحاله الرث.

نهض صاحب العرض من مقامه وامسك بيده وعاد ليجلسه إلى جواره ووضع في يده حزمة الأوراق النقدية، وقال له وهو يرفع عنه شعور الريبة التي بدت جلية في ملامحه، بإمكانك أن تحمل بضاعتك ونقودك الآن وتنصرف.
استمر شعور الدهشة يسيطر عليه، لقد أعطاني ألف من الجنيهات في بضاعة لا تتعدى قيمتها الخمسين جنيها.

وبينما هو على دهشته أقبل شاب يبدو على هيئته وملابسه مظاهر الترف، يحمل على يمناه صينية ويقوم بتوزيع المشروبات الساخنة على الجميع، بكل انحناء وتواضع، وخلفه أخوه يوزع وجبات العشاء على الناس وقوفا وجلوسا، وينادي ” اللي عاوز تاني يطلب وميتكسفس “.

علامات التعجب بدت جليا عليه، وألف سؤال يدور في خاطره، مع قدوم تظاهره على مد البصر يضرب صوتها أرجاء المكان.
“عيش.. حرية.. عدالة إجتماعية
عيش.. حرية.. عدالة إجتماعية”

وبينما هو غارق في بحر تأملاته إذ أقبل عليه رجل في هيبة ووقار إذ كان يرتدي البدلة الكاملة وفي يده ورقة وقلم، وجلس إلى جوار عم درويش على الرصيف، ” دا قاصدني بقى”.

وبينما هم الرجل بارتجال حديثه ، نظر إليه عم درويش وهو يقول : لقد رأيتك قبل مرة، ولكن أين لا أذكر.
وساد صمت بينهما ثم اندفع قائلا : هو مش حضرتك السيد محيي محمد وزير المالية.
فأومأ الرجل برأسه مشيرا بالإيجاب.
– أي نعم.. أنا محيي محمد وزير المالية.
– ونازل بنفسك تقعد جنبي على الرصيف.. من غير حراسة وموكب
– أيوة يا درويش.. أنا نازل لك مخصوص وأشوف طلباتك إيه.. وطلبات الناس إيه، وناقصهم إيه.

درويش الرجل الثمانيني، بعد عمر من الشقاء والعناء، ومرارة الغربة والحرمان لم يتحمل سيل تلك العروض، ووقع مغشيا عليه.

ثمانية عشر يوما في الجنة، نال فيها درويش جميع العروض ، حصل على شقة ومعاش من وزارة التضامن، وتكفلت جمعية ” الأسرة الزكية”، بزواجه من سيدة تقاربه في العمر، كي تأنسه في ما قد تبقى له في هذه الدنيا، ويبادلها شعور الرعاية والأمان.

كان موسما للعطاء والتكافل، تسابق فيه الناس وتباروا في تقديم المساعدات والبحث عنمن هم أهل له، كل على حسب يساره، فهذا يقدم كفالة علمية، وتلك المؤسسة تقدم كفالة علاجية، وأخرى تدعم المحتاجين للسلع والخدمات بكمية منقطعة النظير، استمر موسم العطاء ثمانية عشر يوما لينتهي دون سبب ما، ولم يتكرر منذ ذلك الحين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.