سلسلة : من أخبر محمدا رسول الله في قلب الصحراء ..الحلقة 1 ( على جبل الصفا )

على جبل الصفا

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

هناك على جبل الصفا بمكة عند بيت الله الحرام، وقف رجل قرشى في الثالثة والأربعين من عمره، يمتد نسبه إلى نبي الله إسماعيل بن نبي الله إبراهيم عليهم جميعا الصلاة والسلام.
وقف على جبل الصفا ينادي بأعلى صوته في قريش ليجتمعوا إليه، يتسائلون من المنادي؟ فيجيب بعضهم على بعض: إنه محمد بن عبدالله، إنه الصادق الأمين، إذن الأمر جلل، فيسرع الرجل يلبي نداءه، فإن عجز عن الخروج، أرسل من ينوب عنه لينظر له ما الخبر، ولم لا والمنادي، هو الرجل المرضى عنه في قومه، المحبوب فيهم، الشريف النسب، الراجح العقل، الصادق الأمين.
فلما إجتمعوا إليه وهو واقف على جبل الصفا، قالوا: مالك يا محمد لماذا جمعتنا؟ فرد عليهم: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» (1)

ونقول ما الدافع الذي دفع هذا النبي الشاب ليوقفه هذا الموقف ليصدقوه أو يكذبوه، وهو الرجل الشريف في قومه، الذي إذا وضع في كفة ووضع غيره في كفة لرجحت كفته على من سواه، ألشرف يريده؟ إنه الشريف فيهم، ألعزة يبغاها؟ إنه فيهم لعزيز؟
ما الدافع له ليعرض نفسه لسهام القوم إذا كذبوه، وهو عندهم الصادق الأمين؟
ما الدافع له ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ويقول أوحي إلى ولم يوحى إليه؟
الجواب لا شيء إلا إستجابة لأمر الله له في الكتاب المنزل إليه، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)} [الشعراء: 214 – 216]

فلما امتثل محمد لأمر ربه وأنذرهم، رد عليه عمه أبو لهب قائلا: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟
فرد عليه محمد يتلو كلام ربه الذي أوحاه إليه ليرد به على زجر إبي لهب: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)} [المسد: 1 – 5]

لقد رد محمد بكلام عربي فصيح، نعم هو من جنس كلامهم وبحروفهم العربية، لكن آذانهم لم تسمع مثله من قبل، لدرجة أنهم مع فصاحتهم يعجزون جميعا عن تركيب مثله من نفس أحرفه وهم العرب، أرباب البلاغة والبيان.

محمد يخبرهم أن أبالهب سيموت على الكفر غير مؤمن له، ولهذا سيصلى نارا ذات لهب بعد رجوعه إلى ربه، وكذلك إمرأته، فمن الذي أخبره بذلك؟
من الذي أخبر محمد بهذا الأمر الغيبي المتعلق بمصير أبي لهب في مستقبل الأيام؟
ألا يخاف محمد أن يؤمن أبو لهب به ويتبعه مع من اتبعه من المؤمنين؟
لماذا حسم محمد الموضوع وأخبر أن عمه لن يؤمن؟
إن محمدا حسم الأمر، وأخبر أن عمه أبو لهب سيموت على الكفر ويدخل النار، وزوجته أيضا على نفس الطريق وإلى نفس المصير.

قد قال محمد ما قال، وقد أعطى بهذا لأبي لهب فرصة ذهبية ليطعن بها في صدق محمد ويدمر أمره الذي جمع الناس لأجله، ليخبرهم أنه النبي المنتظر، نبي آخر الزمان الذي بشرت به الكتب من قبل.

كان أبو لهب يقدر أن يطعن دعوة محمد ويقضى عليها، إذا أظهر كذبه، وما أسهل هذا الأمر على أبي لهب، خاصة أنه يحارب محمدا ودعوته، ويريد القضاء عليها، كان يقدر أن يقول: يا محمد تزعم أن كتابك الذي أنزل إليك يقول: أن أبا لهب سيموت على الكفر غير مؤمن بنبوتك، فها هو أبو لهب يؤمن بك، ويصدقك، ومن ثم فالكلام الذي تقول أنه قرآن أوحي إليك به من السماء غير صحيح، وكان هذا يكفي ليقضى على دعوته في بداياتها، أن يظهر كذب محمد، ولكن العجيب أن صدق محمد يزداد رسوخا كلما مر دهر أو قرن من الزمان فلقد أخبر محمد بأمور كثيرة تحققت في زمانه وبعد زمانه، وما زال بعضها يتحقق في زماننا، وتبقي أمور لم يأت زمانها فإذا جاء زمانها أضافت إلى عدد الحقائق حقائق جديدة، لتبقي مؤكدات صدق محمد في ازدياد كلما مر الزمان.

كان أبو لهب يستطيع أن يكذب محمد بإدعاء الإيمان ولكن الذي حدث غير هذا، فلقد عاش أبو لهب يعادي ابن أخيه ويحاربه، وكذلك كانت زوجته أم جميل تحمل الحطب والشوك وتضعه في طريق محمد، ليصدق ما أخبر به القرآن بقوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}، أي سيوضع في رقبتها حبل من شوك في النار، جزاء لإستعمالها الحبل في حمل الحطب الذي كانت تؤذي به محمد بن عبدالله.
فمن أخبر محمد بهذا المصير المستقبلي، ولا أحد يعلم الغيب إلا الله؟
من الذي أخبره أن هذا العم المعادي سيموت كافرا، وأن زوجته ستكون حمالة للحطب، وقد كانت تقدر ألا تفعل هذا وهذه السيدة القرشية التي تستنكف أن تبتذل نفسها في مثل هذه الإعمال، ولكنها العداوة لمحمد ورسالته التي دفعتها لحمل الحطب وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وما كان محمد يأتي بهذا من عند نفسه، في حق عمه، وهو جاء بدعوة جديدة يحتاج لأداءها إلى من يسانده ويساعده ويؤازره في دعوته، فما كان ليخسر عما شريفا لو كسبه في صفه لساعده في دعوته، أو على الأقل كان يداريه ببعض الكلام والأفعال حتى يتجنب عداوته، ولكنه نطقها صريحة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)} [المسد: 1 – 5] فمن الذي أخبره بهذا؟ ..
—————-
(1) صحيح البخاري رقم: 4470

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.