غموض وأسرار حياة الديدان الأنبوبية بالأعماق

هناك العديد من الكائنات الحية تعيش داخل الأعماق ولا يعرف عنها سوي القليل ، فقد تم اكتشاف ديدان أنبوبية كبيرة تعيش في أعماق المحيط الهادي علي عمق أكثر من 4 كيلو متر بالقرب من مدخنات سوداء غنية بكبريتيد الهيدروجين ، حيث تشيع الفتحات الهيدروحرارية التي تطلق  المياه الساخنة الغنية بمواد كيميائية سامة مثل كبريتيد الهيدروجين في مياه المحيط السحيق شديد البرودة ، فتلك البيئة المتطرفة لا تناسب معظم الحيوانات ، ولكن  تأقلمت تلك الديدان  بالرغم فقدانها ميزة وجود فم ولكن كيف تعيش ؟؟

طبيعة الديدان

تعيش الدودة الانبوبية الكبيرة في قاع البحر ثابتة ولا تترك مكانها ، فهي تشبه أقلام الحمرة لامتلاكها إكليلاً من اللوامس بلون الدم ، وشكل خارجي أسطواني الشكل ، كما  يوجد داخل جسم الدودة الأنبوبية بنية تعرف باسم (التروفوسوم)  أو كما يطلق عليه ( كيس التغذية) ، والذي يكتظ بملايين البكتيريا الحية ، فطولها يصل إلى 2.4 متر ، بينما يصل قطر جسمها الأنبوبي 4 سنتيمتر ، كما أنها  تعيش في درجة حرارة للمياه بين 2 درجة مئوية و 30 درجة.

فهي  تتكون  من عدة  شعيرات حمراء ، حيث عندما يحدق خطرًا تسحب الدودة اللحية داخل الأنبوب و تكون بمثابة غطاء ، كما لديها بدن طويل أنبوبي يحده أنبوب عضلي وجلد يغطي الطبقة الملساء من بروتين كولاجين ، حيث  يوجد داخل الأنبوب عضو مكون من رقعات يسمى “تروبوسوم” لتعيش فيها بكتيريا كبيريتية تتعاون حياتيا مع الدودة الأنبوبية، وهي التي تمد الدودة الأنبوبية بالغذاء ، ليس ذلك فقط فهي لديها أيضًا أجزاء قصيرة كثيرة  تحمل بيها مصفوفات من الشوائك ، ووظيفتها تثبيت الحيوان في أرضية البحر.

الديدان الأنبوبية داخل المياه

اكتشافات

فقد تم اكتشاف الديدان الأنبوبية أول مرة عام 1997 من قبل غواصة الأعماق في مهمة لدراسة الفتحات الهيدروحرارية بالقرب من جزر غلاباغوس ، حيث وجد الباحثين  أنفسهم محاطين بكائنات يدفق منها  دم أحمر أحاط بالغواصة التي كانوا عليها، ليكتشفوا لاحقًا أن إكليل اللوامس الذي يعلو الجسم الأسطواني لتلك الديدان يحتوي  على أوعية دموية غنية بخضاب الدم .

فتلك الخضاب له أهمية كبيرة لدي الغواصين  حيث يساعد في نقل نقل الأوكسيجين من الرئتين إلى بقية أنحاء الجسم ، بينما له أهمية أخري للديدان حيث يعمل إكليل اللوامس هذا كالخياشيم، فيساعد خضاب الدم الموجود في تلك اللوامس على سحب كبريتيد الهيدروجين من المياه التي تطلقها الفتحات الهيدروحرارية ونقله للتروفوسوم.

فداخل التروفوسوم هناك الملايين من البكتيريا التي تعيش بعلاقة تكافلية مع تلك الديدان لتشكل أكثر من نصف وزن تلك الديدان ،حيث تقوم تلك البكتيريا بتحويل المواد السامة في مياه الفتحات الهيدروحرارية لغذاء لتلك الديدان، وذلك عن طريق آلية تدعى (التمثيل الكيميائي) ،والذي يشابه كالتمثيل الضوئي لدى النباتات الذي تقوم من خلاله بإنتاج غذائها من أشعة الشمس  ، وبالنسبة للبكتيريا  فإن تروفوسوم تلك الديدان هو مسكن أفضل لها مقارنة مع الفتحات الهيدروحرارية ، حيث تقوم بالداخل عن طريق تفاعلات كيميائية باستخدام كبريتيد الهيدروجين كمصدر طاقة لها.

الديدان الأنبوبية داخل المياه

كيف تدخل البكتريا للديدان؟؟

فالدودة الأنبوبية الكبيرة هي أول حيوان يعتمد في معيشته على تعايش مع بكتيريا الكبريت، ولا يزال حتى الآن مثال نموذجي لمثل ذلك التبادل الحياتي حيث تدخل البكتيريا عبر جلد تلك الديدان عندما تكون يرقات، وهذا ما يعتبر فعليًا عدوى بكتيرية، حيث تعتبر الفتحات الهيدروحرارية ، حيث تتواجد تلك البكتيريا والديدان الضخمة، موطنًا غير مستقر لهما. وذلك بسبب الحركة المستمرة للصفائح التكتونية في أحياد عمق المحيط ،فقد تتواجد في يوم، وتختفي كليًا في اليوم الذي يليه.

ففي اليوم الذي تتوقف فيه تلك الفتحات عن ضخ المياه التي تؤمن مصدر غذاء للبكتيريا المتواجدة داخل تلك الديدان، فهذا سيؤدي لموتها ، كما أن المسافة بين فتحة هيدروحرارية وأخرى قد تصل إلى عدة أميال، وهي مسافة طويلة لتقوم دودة بحجم الدودة الأنبوبية بقطعها.

فما يزال العلماء غير متأكدين حتى الآن فيما يتعلق بكيفية تأمين يرقات تلك الديدان للغذاء قبل استقرارها بالقرب من إحدى تلك الفتحات الهيدروحرارية،لذلك وضعت عدة فرضيات لتفسير ذلك، فمثلاً، جثة حوت ميت أو حطام إحدى السفن قد تكون بيئة مناسبة لتأمين مصدر كاف من المواد الكيميائية التي تحتاجها البكتيريا لتبقى حية.

فقد قادت معرفة العلماء بهذه الديدان الغريبة وطريقتها الفريدة في الحصول على الغذاء إلى اكتشافهم كائنات أخرى تعتمد على التمثيل الكيميائي أيضًا لإنتاج غذائها، في أماكن أخرى من المحيط، إلى متنزه «يلوستون الوطني» في الولايات المتحدة الأميركية، فاكتشافًا مثل هذا يجعلنا ندرك مدى محدودية معرفتنا للكوكب الذي نعيش فيه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.