مصير جثمان رواد الفضاء بعد الموت

يتسائل الكثير ، كيف يُصبح مصير جثمان رواد الفضاء بعد الموت؟؟ فقد قال تعالى في مُحكم تنزيله: أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة فليس هناك أحد محصّن من الموت. كذلك هو الحال مع رواد الفضاء فقد يأتيهم الموت وهم في خضم مهماتهم الفضائية. ليظل السؤال هنا ماذا تفعل وكالة ناسا إن توفي رائد فضاء داخل المحطة الفضائية ؟ هل سيعودون بجثمانه إلى الأرض؟ ، أم سيدبرون أمر يجعل الفضاء مقبرة فسيحة له ؟ فلماذا لا يقومون بما يقوم به البحارة في عرض البحر؟  وما مصير هذا الجثمان إن حدث واستقر على أحد الكواكب ؟

ففي فيلم «The Passengers» يجد مهندس الميكانيكا جيم بريستون نفسه قد استيقظ من سباته في أثناء السفر ، نتيجة اصطدام المركبة الفضائية بأحد الكويكبات الصغيرة، ليري مستقبله مظلمًا للغاية ، نتيجة أعطال المركبة التي تستغرق 120 عامًا للوصول للكوكب المنشود. وبعد استيقاظ زميلته أورورا وقبطان السفينة ، يكتشفون أن بقية المسافرين سيموتون لو لم يتم إصلاح الأعطال في السفينة الفضائية.

وعلى الرغم من أن فيلم الخيال العلمي مليء بالأمل والحب والنجاح ، إذ ينقذ جيم بقية الركاب المسافرين وطاقم السفينة بالفعل، فإن النهايات السعيدة لا تحدث دائمًا في الواقع ، فقد فقدت البشرية بالفعل 18 رائدًا فضائًا في حوادث مختلفة منذ محاولاتها الأولى لإطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية المأهولة لغزو الفضاء.

الكوارث الفضائية لوراد الفضاء

فطبقًا لآخر إحصائيات الإتحاد الدولي للطيران هناك حوالي 536 شخصًا من 38 دولة وصلوا للفضاء الخارجي 11 منهم لقوا حتفهم أثناء التدريب ، و 18 منهم لقوا حتفهم أثناء الصعود ، و3 فقط تواجدو في الفضاء الخارجي ذاته، فهؤلاء هم طاقم المركبة Soyuz 11 الروسية الذين توفوا عام 1971.

لقد تجرع الإتحاد السوفيتي أول حادثة وفاة  في الفضاء في التاريخ في سنة 1971 عندما لقي كل من  جورجي ديبرفولسكي, فيكتور باتسيف ,  وفالدسالف فولكوف حتفهم أثناء عودتهم إلى الأرض من محطة الفضاء Salyut 1 ، و رغم أن مركبتهم الفضائية Soyuz 11 هبطت بسلام على الأرض إلا أن رواد المركبة الفضائية وجدوا ميتين في الداخل حيث وجدت لطخات زرقاء على وجوههم بالإضافة إلى خروج الدم من أذانهم و أنوفهم.

فالبعثة كانت  المكونة من 3 رواد فضاء مهمتها التأكد من جاهزية محطة الفضاء لأداء مهامها لتكون آخر بعثة للمحطة قبل إطلاقها لمدارها تمت المهمة بنجاح ، ولكن خلال عودة الرحلة للأرض وقبل دخولها للغلاف الجوي للكوكب تم حدوث تسريب للهواء داخل المركبة ولم يستطع رواد الفضاء معرفة السبب لذلك كان أمامهم 13 ثانية فقط قبل فقد الوعي كي يعالجوا الموقف ولكن لم يستطيعوا وتوقفت قلوبهم تمامًا بعد 110 ثانية وتعتبر تلك أول حادثة بشرية تحدث في الفضاء علي بعد 170 كم من سطح كوكب الأرض.

وفي عام 1961 ، شهد العالم 10 كوارث فضائية، التي أسفرت عن مقتل 18 رائدًا فضائًيا ، ونحو 12 شخصًا آخرين قتلوا خلال التدريبات.  وفي مارس من عام 1961 ، قبل بدء الرحلات المأهولة إلى الفضاء بنحو شهر، فقد العالم أول رائد فضاء  السوفياتي فالنتين بوندارينكو ، الذي توفي محترقًا عندما اندلع حريق خلال قيامه بالتجارب ، وفي أبريل 1961 بدأ غزو الفضاء ، ولكن في يوليو من العام نفسه، أدى عطل فني في كبسولة الفضاء ليبرتي بيل 7 الخاصة ببرنامج ناسا الفضائي، إلى امتلائها بالماء وغرقها في المحيط الأطلسي ،  وكادت العملية تودي بحياة الطيار التجريبي غاس غريسوم .  وبأكتوبر 1964 ، قُتل أول أميركي أثناء التدريب على الرحلات  ، عندما اضطر الملاح ثيودور فريمان إلى إطلاق نفسه من طائرة التدريب بعد اصطدام نافذتها الأمامية بطائر، لكنه كان قريبًا من الأرض فلقي مصرعه.

كما في مارس 1965 ، أثناء أول تجربة للسير في الفضاء الخارجي ، انتفخت بذلة رائد الفضاء السوفياتي ألكسي ليونوف إلى درجة أنه لم يتمكن من العودة إلى المركبة “فوسخود 2″، وبعدما ترك مجالاً للهواء للتسرب من البذلة، وتقليل الضغط داخلها، تمكن بالكاد من الدخول إلى المركبة التي اضطرت لاحقاً للهبوط في مكان يبعد مئات الأميال عن الموقع المقرر، وقضى طاقم المركبة ليلته خارجها في درجة حرارة متدنية للغاية،في يناير 1967، قتل طاقم المركبة “أبولو 1” الثلاثة غاس غريسوم وإدوارد وايت وروجر تشافي أثناء التدريب على الإقلاع لرحلة فضائية كانت مقررة في الشهر التالي،وفي إبريل من العام نفسه، قتل رائد الفضاء السوفياتي فلاديمير كوماروف، ملاح المركبة “سويوز 1” عندما تحطمت قمرة القيادة أثناء ارتطامها بالأرض بعد فشل في إطلاق المظلة أثناء الهبوط.

وبعد 3 أعوام، أي في إبريل 1970، أدى انفجار خزان الأوكسجين في المركبة أبولو 13 إلى تخلي رواد الفضاء عن إكمال مهمتهم إلى القمر، واضطر الرواد جيم لوفيل وجاك سويغرت وفريد هايس إلى العمل في ظل طاقة محدودة ودرجة حرارة متدنية ونقص في الماء وانخفاض مستوى الهواء، وظلوا على هذه الحالة 4 أيام قبل أن تتمكن ناسا من إعادتهم إلى الأرض سالمين ، في يونيو 1971، توفي رواد الفضاء السوفيات ، طاقم المركبة سويوز 11 ، جورجي دوبروفولسكي وفيكتور باتساييف وفلاديسلاف فولكوف جراء الاختناق وانعدام الأوكسجين إثر خلال في صمام أدى إلى انفتاحه بصورة مفاجئة بعد لحظات من انفصال مركبة الهبوط عن المحطة الفضائية السوفياتية ساليوت 1.

وفي يناير 1986، قتل 7 رواد فضاء أميركيين بعد 37 ثانية على انطلاق مكوك الفضاء تشالينجر،  وفي فبراير 2003 ، قتل 7 رواد فضاء آخرين، بينهم إسرائيلي ، بتحطم مكوك الفضاء كولومبيا بعيد عودته من الفضاء ودخوله المجال الجوي للأرض ، فطبقا لآخر إحصائيات الاتحاد الدولي للطيران أن هناك حوالي 536 شخصا من 38 دولة وصلوا للفضاء الخارجي.

كيف يُصبح مصير رواد الفضاء بعد الموت ؟؟

مصير جثمان الرواد بعد الموت

ومع تزايد الخطط المستقبلية لوكالات الفضاء لغزو كوكب المريخ أو أقمار الكواكب الأخرى، فإن احتمالات وفاة رواد الفضاء تصبح أكبر ، نتيجة طول مدة الرحلات ، فربما تستغرق الرحلة 3 سنوات للذهاب والعودة من كوكب المريخ ، وهذا يضاعف احتمالات الوفاة في الفضاء ، نتيجة الحوادث ، أو مشكلات التنفس أو الطعام ، أو الاتصالات والتقنية ، أو ظروف خارجية مناخية مفاجئة تودي بحياة رواد الفضاء.

فهناك العديد من المقترحات المختلفة لحفظ الجثة بسفينة الفضاء أو تركها تطفو في الفضاء ، أو حتى وضعها بتابوت على السفينة ، لكن تظل هناك أيضاً آثار نفسية وربما رائحة كريهة وعدوى لبقية الطاقم من رواد الفضاء بالسفينة، وكذلك لو كانت الوفاة في محطة الفضاء الدولية.

إرسال جثمان  رواد الفضاء للأرض

على ما يبدو الحل الأفضل المطروح هو شحن هذا الجثمان ثانيةً إلى الأرض مع أول مركبة تموين تأتي لتزود محطة الفضاء الدولية بالمؤن.  وبالطبع نعلم أن هذا الحل متاحٌ فقط لرواد الفضاء الموجودين على متن محطة الفضاء الدولية ،  ورغم ذلك حل هو ليس سهلًا ، فالمركبات تكون مكتظة بالرواد القادمين إلى المحطة والذين يغادرونها ، وهي ليست مصممة لنقل الجثث ، فهنا يرتفع احتمال التلوث بين الطاقم الموجود على مثل هذه المركبات. نظرًا لمدة الثلاث سنوات اللازمة لقطع المسافة بين الأرض والمريخ ، ر تبدو إعادة الجثمان إلى الأرض في هذه الحالة أمرًا مستحيلًا.

حفظ رواد الفضاء بالبدلة الفضائية

إن حدث وضربت جسيمات نيزكية دقيقة رائد الفضاء أثناء سيره في الفضاء وسببت ثقبًا في هذه البدلة ، ما هي إلا 15 ثانية ويفقد رائد الفضاء وعيه. والتعرض للخلاء لمدة 10 ثوانٍ يكفي لتبخر الدماء والماء من جسد رائد الفضاء ، فهذا سيؤدي إلى انتفاخ جسمه كبالون وسيسبب انهيار رئتيه بالكامل.  في هذا السيناريو المحتمل ، من الممكن أن يبقى رائد الفضاء في بدلته الفضائية محتجزًا في حجرة محكمة الإغلاق دون هواء ، وذلك تجنبًّا للأسوأ الذي قد يحدث ، ألا وهو الرائحة الكريهة إضافة إلى تلوث المحيط الفضائي أو الطاقم.  وإن لم يكن بالإمكان احتجازه في غرفة محكمة الإغلاق ، فعلى الأقل ينبغي وضعه في أبرد أجزاء محطة الفضاء الدولية ريثما يتسنى إرساله إلى الأرض.

التجميد أو الحرق لرواد الفضاء

فالحرق المباشر في الفضاء هو أحد الحلول الممكنة ، ففي عام 2005 تبنت ناسا دراسة تناولت الجنازات من منظور بيئي أجرتها وكالة الفضاء السويدية.  فهذه التقنية تتضمن تجميد الجثة ومن ثم إحراقها لتتحول إلى قطع صغير من الرماد الجليدي ، أما المتبقي من الرماد فيتم إرجاعه ثانيةً إلى الأرض. حيث يُستخدم النتروجين السائل لتجميد الأجسام على الأرض ، أما في الفضاء فيوضع الجسم في حقيبة ويتم تعريضه إلى الخلاء لمدة ساعة باستخدام ذراع آلية تُمسك به وبمجرد  هزّ الحقيبة تتحول الجثة إلى قطع صغيرة متجمدة. فمثلًا الرماد المتجمد المتبقي من رائد فضاء الذي  يزن 90 كغ  يصل إلي هو 22 كغ.

دفن الرواد في الخلاء

يُعد هذا الخيار هو المكافئ الفضائي للرمي في البحر ، وربما كانت أكثر النهايات رومانسية بالنسبة إلى رائد فضاء هي أن يُترك جثمانه بين النجوم. فلا تنص الاتفاقيات الدولية على أي قرار بشأن دفن جثامين رواد الفضاء في الفضاء.  وما لم تُوضع الجثة في صاروخ ليتم إطلاقها بعيدً ، حيث ستسلك الجثة مسار محطة الفضاء الدولية عائدةً  نحو الغلاف الجوي وستتحلل.  وفي حالة السفر بين الكوكبية، كالطريق إلى المريخ فسيكون الفراغ هناك مقبرةً موحشة.

دفن روادالفضاءعلى المريخ

قالها إيلون ماسك: المرشح ليصبح مستعمِرًا مريّخيًّا، عليه أن يتوقع أنه قد يموت هناك أيضًا. فالدفن على المريخ سيكون حلّا عمليًّا أكثر من الانتظار لسنوات حتى العودة إلى الأرض ،  لكنّ ذلك يرفع من احتمال التلوث البكتيري على المريخ ،  وهنا على الكائنات الأرضية المرافقة لهذه المركبة أن تعمل على ألّا يصبح هذا الجثمان مصدر تلوثٍ لبيئة المريخ أو أشكال الحياة المحتملة عليه. فقط تخيّل ما الذي سيحصل على المريخ مع جسدٍ متحلل  فالدفن على المريخ ممكن فقط لبقايا رماد الجسد الميت.

ما توصلت إليه ناسا

فأفضل ما سيتم القيام به هو إجراء تم الاتفاق عليه مؤخرًا بين وكالة ناسا وشركة Promessa  المختصة لدفن الموتى بطريقة صديقة للبيئة، ويُطلق على هذا الإجراء عودة الجسم حيث يتم بموجبه وضع جثمان رائد الفضاء المتوفى في حقيبة وربطه بإحكام ، وتجميده في الفضاء مع المواظبة على الحركة الاهتزازية له بشكل متواصل حتى يتفتت إلى أجزاء صغيرة ، ليتحول بعدها إلى مسحوق. وهكذا ينتهي حال من يُتوفى في الفضاء ، مجرد مسحوق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *