هبة معوض تكتب.. “الفلسفة حرام”

قرأت من فترة “بوست” على الفيسبوك طلب صاحبه ترشيحات لكتب فلسفة، ومع البدء في قراءة التعليقات لم يلفت انتباهي سوى تعليق واحد.

كتب فيه صاحبه مقرا حديثه “الفلسفة حرام”، في البداية ظننته حديثا ساخرا، لكن للأسف لم يكن كذلك، فقد قصد كلماته تماما.

الأمر الذي أثار غضبًا وسخرية شديدين لدى البعض، مندفعين بالرد والهجوم، ليجذبني كم هائل من تلك التعليقات سواء المؤيدة أو المعارضة.

وبمجرد الانتهاء من تلك التعليقات لم يتبادر إلى ذهني سوى سؤال واحد، ألا وهو هل فعلًا الفلسفة حرام؟!

الشريعة.. والفلسفة

لا أعتقد ذلك أبدا، لأنها إذا كانت محرمة فلماذا وجدت في الشريعة الإسلامية، أليست الفلسفة تعني الحكمة؟! وأليست الشريعة الإسلامية قائمة على الحكمة؟!

فلا يوجد ما هو أكثر حكمة من أن يكون لدينا أحكامًا ثابته في ديننا، ولا أكثر حكمة من نظرية الطاعة والثواب والذنب.

وإذا كانت كذلك، فلماذا وصف الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم لقمان بالحكيم ولم يصفه بالزندقه!

تساؤلات..

إذن لماذا يراها البعض حرامًا؟!
وإن كانت كذلك لماذا يتم تدريسها في المناهج الدراسية للطلاب؟ ولماذا يخصص لها أقسام بالكليات؟

غالبا الرد على السؤال الأول يرجع إلى الاعتقاد الراسخ لدى البعض بأن الفلسفة تعود إلى أصول يونانية.

نشأت على يد فلاسفة الإغريق مثل سقراط وأفلاطون وآرسطو، وأتت بهدف تحكيم العقل للرد على ما جاء بالدين.

لذلك لا ينبغي أن نطلق على الشريعة لفظة فلسفة، حتى ولو كانت هذه الفلسفة مؤيدة للدين.

لكن للأسف هذه الفكرة مغلوطة تماما، فالفلسفة منبتها شرقي بدأت منذ أبيقار ببلاد الرافدين والفلسفة التاوية والكونفوشيوسية بالصين.

أما عن بقية الأسئلة فلا يوجد لدي إجابة حيالها، لكن كل ما يجب ذكره هو أن هناك رقابة على كل ما يدرس للطلاب.

وأنهم يدركون كذلك ما يضعون من دراسات في الفلسفة، سواء كانت فلسفة وجودية أو عدمية أو إسلامية أو غيرها من الأنواع الأخرى.

من معتقداتهم..

لكن هناك أيضا من يرى أنها حرام، لما جاء بحديث الشافعي: “ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان آرسطو”.

أو لربطهم بين الفلسفة والإلحاد من منظور أن الفلسفة تستهدف تحرير العقل من أية نصوص منقولة أي الدين.

لكن من قال أيضا أن الفلسفة تعني الإلحاد؟ فرغم وجود فلسفات نقدية مثل فلسفة سارتر ونيتشه في الوجودية والعدمية.

إلا أن كلمة فلسفة بعيدة كل البعد عن ذلك، فالإلحاد في النهاية ما هو إلا شك عدمي لا يغني عن الحقيقة اليقينه.

فلسفة المأمون..

للأسف لا يوجد حتى الآن رد قاطع يفصل في ذلك الحديث، فمنذ عهد الخليفة المأمون وقراره بانفتاح الفكر الإسلامي على الفكر اليوناني.

وقد اتخذ عدد كبير جدا موقف عدائي حيال تلك القضية، وأعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك العداء يرجع إلى الانتماء الديني والعرقي.

ذلك لأنهم يرون أننا أخذنا تلك الفلسفة من شعوب تختلف تماما في معتقداتها عن معتقداتنا وديننا.

نضف إلى ذلك أن القائمين على ترجمة تلك الأفكار المورثة إلينا من الغرب هم من أصحاب الديانتي المسيحية واليهودية.

وقد جاء ذلك بعد قرار الخليفة المأمون إنشاء مؤسسة مخصصة للعلوم الفلسفية، ومن ثم لم يصبح لدينا فلسفة واحدة.

بل ثلاث فلسفات، إسلامية ومسيحية ويهودية، لكل منهم تاريخه ووثائقه، وكل منهم يصارع لثبوت أفكاره.

تهافتات..

للأسف لم ينته الحديث عند هذا الحد، بل بدأ.. فما حدث بعد ذلك هو الأعظم، فقد ظهر لدينا اثنين من أعظم فلاسفة الإسلام.

هما الإمام أبو حامد الغزالي وابن رشد، بالطبع لم يقم جدل أو حديث مباشر بينهم نظرا لعدم معاصرتهم بعضهم البعض.

لكن فعلت أفكارهم ذلك، ففي القرن الخامس الهجري ولد بعالمنا مفتي الأمة أبو حامد الغزالي، بكتابه تهافت الفلاسفة.

والذي رأى فيه أن جميع الفلاسفة فشلوا في الإجابة على أسئلة الوجود الكبرى، مشيرًا إلى تناقض أفكارهم.

ذلك لضلال فلسفتهم وإتخاذهم لأفكار ومذاهب تبحث في علوم ما وراء الطبيعة أو ما يطلق عليها الميتافزيقا.

فهو يرى أننا حتى وإن تناقضت أفكارنا وأبحاثنا مع النصوص الدينية، يجب ألا نلتفت إليها بل نسلم بما ورد بنصوصنا الدينية.

خلال هذه الفترة بدأت الفلسفة في الانكماش، نظرا لعدم استطاعة الفلاسفة الرد على الإمام الغزالي إلى أن جاء ابن رشد.

فبعد ما يزيد عن نصف قرن من عصر الغزالي ومع ظهور ابن رشد في عالم الفلسفة حتى عادت أدراجها مرة أخرى وانتعشت أفكارها من جديد.

فبكتابه “تهافت التهافت” استطاع ابن رشد أن يرد على الغزالي ردا دقيقا حاسما، موضحا خطأ العديد من أفكاره.

والتي كان أبرزها تحريفه لأقوال الفلاسفة بما يتناسب مع هواه، وليس تفسيرها كما ورد ذكرها منهم.

إضافة إلى رفضه فكرة قبول النص ورفض العقل، فابن رشد يرى أننا يجب أن نحكم العقل أولا فيما يتعلق بأمورنا الملموسة.

لأن فكرة تقبل أو رفض النصوص الدينية يجب أن تترك للتفسيرات الروحية المعنوية وليس العقلية الملموسة.

ختامًا..

ومن ثم لا تزال قضية الايمان بالفلسفة كعلم وقضية فصلها عن الدين قضايا شائكة ليس لهم رد قاطع.

فمنذ التهافتين تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت ونحن في صراع الفكرين، والذي بناء عليهم انقسم العالم قسمين فلسفيين.

فالعالم الشرقي الإسلامي انتهج منهج الإمام الغزالي أما العالم الغربي فقد سار على نهج ابن رشد.

لذلك اعتقد أن أنسب ما يمكن الفصل به في هذه القضية ما جاء على لسان علماء الدين الإسلاميين في العالم العربي.

وهو أننا إذا تحدثنا عنها بكونها نقد لما جاء بالدين فهي حرام، أما إذا جاءت بمعنى الحكمة فهي كذلك.

من ابتدع التنمية البشرية؟!

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.