ليتني أعود طفلاً!

لليتني أعود طفلاً! ها هي الأيام سريعةً قد مرت !فكم يأخُذُنِي الشوقُ إلي تلك الطفولةِ البريئة؟

إلي عالَمٍ أفتَقِدُه، إلي لحظاتٍ مرَّت سريعاً لا أتذكر تفاصِيلَها كاملةً

ولكن أراها تمُر أمام عيني الآن كشريط الفيديو،

لم أَلمَس فيها إلا القلوبَ الصافية، والأيادي الحانِية، والعيشة الهَنٍيَّة

والنفوسَ المَرضِية، بعيداً عن العَصَبياتِ البَغِيضة.

طفولة بريئة

لم تتلوث أذناي بليبرالية غوغاء، أو علمانية جوفاء، لم أري الإسلام سلفية متشددة، أو إخوانية متفلتة

بل رأيت الإسلام والمسلمين أمة واحدة

طويلو اللحي والجلباب كقصيرهما عارِ الرأسِ كمعممها.

أسير في الحواري فلم تبصر عيناي صديقاً ينادي علي صديق آخر مُصَنِفاً إياه مباركِياً, سيساوياً, مرسِياً، رسلانياً، برهامياً، بردعياً…إلي آخر تلك الفرقة الحمقاء.

ولكن جئت إلي الدنيا علي سَرِيرةً بيضاء فتَّحتُ عينَيَّ المُغمِضَتَين آنذاك فبَصُرتُ جَدي رحمة الله عليه

يضعنِي في كرتونة بعد أن أفرغ ما بداخلها

رابطاً إياها بخيط ثم يطوف بي في فناء بيتنا القديم وسط ابتسامات الأعمام والعمات

أدام الله عليهم الصحة ورحم منهم الأموات .

ذكريات لا تنسي

أري جدتي تحمِلني علي حِجرها وتأتي بطعام وملعقة صغيرة لتطعمني، لم أدر ما هو الطعام ولكني أجد ريحه وطعمه الشهي في فمي إلي الآن.

تراني مع أذان العصر ممسكاً بيد والدي قاصداً المسجد فيجلِسني حتي يفرغ من وضوءه

ثم يبحث عني فإذا بي أسبح في بحرٍ من المياه بعد أن فتحت صنابِير الميضة لأصنع ذلك البحر

تقام الصلاة فأهرول بين الصفوف أريد أن أمسك بذلك العصفورِ الصغير الذي تسلل في زوايا المسجد إلي أن أصل للإمام

فأُمسِك بطرف ثوبه فيأخذ بيدي ويوقفني إلي جواره

فتصبح للجماعةِ إمامَين إن لم أتقدم عليه لأصِيرَ أنا الإمام!

ثم يسلِم فيقبلني وآخر يداعبني وثالث ورابع يتغامزون قائلين: “ابن مين الواد دا؟

لم أكن حينَها أدرك معني الصلاة وشروطها وهيئَتِها

رحلتي للمسجد

ولكني كنت مقلداً وأدركت الآن أن ذلك اللعب الذي رآه المصلون مني كان له أثرٌ عظيمٌ فيما بعد،يسلم الإمام فأكون صاحب المركز الأول في الخروج من المسجد

حَافِي القدمين إلي أن يخرجَ والدِي فيُلبسَنِي النعلَين(اللكلوك)

ثم نعود من رحلتنا إلي البيت يُقابلني عمي “أحمد أو إبراهيم أو محمود…الخ جيراناً كانوا أو أصدقاءً لوالدي”

فيُعطِيني بلُغتي حِينَها قرشاً كان ذلك( القِش) ربع جنيه مخروم

وكان يكفيني للحصول علي(كيس كرتيه+ كرمله+ لب+ قطعة شكولاتة صغيرة)

يتركني والدي ويسلم ذلك الطفلُ الشقي إلي أمه لتحتَضِنَنِي في لهف وشوق، أصعد معها إلي السطوح لأري البط الصغير والحمام وهي تطعمهم

مغامرات وشقاوة

كنت أمسك بالصغير منهم وأغمسه في المسقاة ظاناً بذلك أني أَروي عطشهم وأُنظفهم فما يرحمهم مني إلا أمي، ثم تأخذني في حجرها وتجلس وسط أعواد الحَطب وكيزان الدرة في شمس دافئة

تمر يد أمي علي شعري حانِية حتي تَصعَد جارتنا ويجلسان سوياً يتسامران ويتبادلان أطراف الحديث وأنا أستمع للحكاوي هانئاً بتلك النومة التي لن تغنيني عنها أفخم السرائر والفرش.

لم أشعر بلحظات الحزن لأني لم أكن أدرك معناه ولم أتذوق مرارَته، لا زلت أذكر صديقي أحمد يوم وفاته كنا نلعب في الصباح سوياً

نعبأُ التراب في أكياسٍ ونرمي به بعضنا ولم تمض سويعاتٌ إلا وأحمد يحثي عليه التراب بعد أن كان يحثوه في وجوهنا ليلقي ربه ويؤدى مهمة أخرى

موت الصديق

وصفها الحق جل وعلي في محكم كتابه”يطوف عليهم وِلدَانٌ مُخَلَدونَ بأكوابٍ وأباريقَ وكأسٍ من معِين”, مات أحمد وتركني أحثو تراب الدنيا!

بينما هو منعم في تراب الجنة وشتان ما بين الترابين فهذا زعفرانٌ ولؤلؤ وذاك يمرض الجسد, سرت في مشهده مبتسماً أردد “أحمد مات”

ولكني حينها لم أكن أعرف طعم الحزن ومرارة الفراق

يأتي المساء وبعد المغرب أجلس لأستمع إلي تلك المحطتين الذين لا ثالث لهما(القناتين الأولي والثانية) فأستمع إلي مسلسل “بابا ونيس” وبعدها يحضر النوم شيئاً فشيئاً

لأنام علي موسيقي برنامج حديث الروح تلك الموسيقي الدافئة التي متي استَحضَرتُها الآن انتَابَتنِي تلك الحالة الشعورية عندما كنت أَخلُد للنوم

أنام علي كَنبة فتأتي أمي لتحملني وتضعني علي سريري.

تشتي السماء ليلاً وترعد وتبرق ويهبط المطر وصوت قطراته في أذني لها طرب عالق في ذاكرتي ليشرق الصبح, ليتني أعود طفلاً!

فأفتح الباب في خلسة فأري الأرض موحلة وبرك المياه متناثرة, وأمام دارنا بحر عظيم الأمواج فأسبح في البحر وأستخرج الأكياس من القاع

وألعب في الطين صانعاً بيتاً أو رجلاً ثم أدهن وجهي وكأني أرسم علم فَريقي الذي أشجعه وهكذا أعيد قصة كل يوم مضافاً إليها الجديد والجديد من المواقف.

فما أمتع الطفولة من عمر سنةٍ إلي ثلات سنوات! ليتني أعود طفلاً! يا ليتها تعود! ولكن هيهات هيهات !!!تلكم قصص الذكريات! ولم يبق لنا إلا الاشتياق لما فات! وندعوا الله أن يوفقنا لما هو آت

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *