إيمانويل كانط.. صاحب أعظم ثورة في الفلسفة الحديثة

تقرير: سحر شوقي

هو إيمانويل كانط (١٧٢٤_١٨٠٤) فيلسوف ألمانيا من عصر التنوير ويعتبر من أهم وأبرز مفكري أوروبا الحديثة.

إن تأثيرة الغربي لا يقاس، فلقد كان نقطة البداية لحركة المثالية الألمانية، في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

إيمانويل كانط.. نشأته

ويشكل أكبر تحديدا بالنسبة للكانطية التي نشأت حوله في حياته،لقد نشأ كانط لأب مجتهدا في عمله كان يعمل سراجا.

وأمه (آنا رويتر) كانت شديدة التدين، حريصة على سماع المواعظ، مما دعاها إلي إلحاق إيمانويل بمعهد (فردريك).

الذي مكث فيه ثماني سنوات، وصفها إيمانويل بأنها كانت قاسية وأن الخوف والرعدة يسيطران عليه حين يتذكر تلك المرحلة في حياته.

داروين.. صاحب نظرية التطور.. النور يضيء حياته

توفيت أمه وهو في الثالثة عشرة من عمره،وحين توفي والده كان في الثانية والعشرين، مما يعني أنه تحمل جزء من عبء ومصاريف أسرته.

وهنا يفسر البعض أن تلك النشأة القاسية وتلك الصرامة والجدية، كانت إحدي سمات هذا الفيلسوف .

وقد حققت أعماله خاصة المتعلقة بنظرية المعرفة والميتافيزيقيا والأخلاق مثل الأعمال الرئيسية له (نقد العقل الخالص ونقد العقل العملي).

وهي نقله نوعيه كاملة وحركة الفلسفة إلي ما أبعد من الجدل بين العقلانيين والتجريبيين الذي سيطر علي عصر العقل، والعصر المبكر للتنوير.

إيمانويل كانط وموقفه من السياسة

لقد كان كانط أحد رموز التنوير العظام، وذلك في عهد الملك فردريك الثاني (١٧٤٠) والذي فيه أزدهرت أفكار التنوير.

وأثرت الفلسفة الكانطية في أوساط المفكرين والأدباء، وبعض الأوساط في إدارة الدولة.

لأن هذا الملك كان مشجعا للعلم والثقافة وحرية الرأي، ولكن بعد أن تولي ابن أخيه مقاليد الحكم (فردريك فلهلم الثاني) بدأت حملة شرسة علي التنوير وحرية الفكر.

وانتشرت الرقابة في أرجاء المملكة، وكان كانط أبرز من استهدفتهم هذه الحملة، وصدر مرسوم ملكي بمنعه من الأستمرار في الكتابة والنشر.

كان ذلك عام (١٧٩١) إلا إنه لم يتوقف عن الكتابة ووصل الأمر بالناشرين إلي رفع إلتماس للملك.

خطاب.. إيمانويل كانط

ولما نشر كتابه (الدين في حدود العقل فقط عام (١٧٩٣) صدر قرار من مجلس الوزراء مخاطبا الفيلسوف:

إنك لابد أن تدرك كم أنت مسئول بوصفك معلما للشباب، وأمام واجباتنا وأغراضنا الوطنية المعروفة جدا.

لذلك نرجو من سيادتك الشريفة، أن تتحلي بالمسئولية الواعية،ونأمل فيكم تجنبا لعدم رضانا العالي ألا ترتكب أمرا من تلك الأمور.

بل تستخدم مكانتك و موهبتك وفقا لما تمليه عليك واجباتك في تحقيق نوايانا الوطنية.

وإلا فإن إستمرارك في هذا الطريق سيؤدي بنا حتما إلي إتخاذ إجراءات غير مرضية لك.

ومع هذا التهديد المغلف بالإحترام قرر كانط الصمت فيما يخص الموضوعات الدينية وهنا يقول كانط في رد علي الرسالة الملكية

(إن إنكار واستنكار ما يقنع به المرءأمر مهين دنيء لكن السكوت في حالة كهذه هو واجب المحكومين، وحتي لو كان ما يقوله الإنسان صحيحا،فليس من الواجب أن يصرح بكل الحقيقة علانية).

إيمانويل كانط والثورة الفرنسية..

بدأت الثورة الفرنسية في عام(١٧٨٩)كان وقتها إيمانويل كانط في أوجه نبوغه الفلسفي، وكان موقفه منها معبرا عن حقيقة تقييم للأحداث السياسية في عصره.

واشتد حماسة لها قناعة بمبادئها (الحرية والإخاء والمساواة) رغم أن حماسة قد فتر مع التحولات الدموية التي جرت الثورة نفسها إليها.

إلا أن كانط كان وفيا للمباديء والقيم، كان مؤمنا بها مع فلاسفة الثورة أمثال(فولتير ،روسو،ديدرو)
الذين كان متواصلا معهم، بشكل كبير.

وقد كتب كانط عن الثورة الفرنسية يقول (في مثل هذه الظاهرة لا يمكن أن ننسى إذ هي كشفت في الطبيعة الإنسانية عن إستعداد للعمل لما هو أفضل.

لأن هذا الحادث هو من العظمة ومن الإرتباط، الوثيق بمصالح الإنسانية ومن سمة التأثير في العالم بكل أجزائه.

إلى حد أنه ينبغي أن نذكر به الشعوب في الظروف المناسبة وعند المحاولات الجديدة من هذا النوع.

كانط والدين..

لقد نشأ في بيئة متدينة، خصوصا والدته، إلا أن التطور الفلسفي بدأ في فهم خاص للدين، فقد كان يري الفصل الكامل بين الفلسفة والدين وبين العلم والدين.

ويري أن المشاكل تظهر حين يحاول أحدهم التدخل في الآخر، وإخضاعه له وقد رفض كانط جميع أشكال ما سمي بنصره الدين للفلسفة أو العكس.

كما رفض القول بلاهوت طبيعي مؤسس علي معطيات عقلية وعنده أن الفلسفة لا تحتاج إلي طقوس ولا تقشف ولا خلوة رهبانية عن طريق إماته الجسد، والزهد ليصل عليها الوصول إلي الحقيقة.

إن قوانين ومباديء العقل هي التي تكشف للإنسان ما يجب أن يؤمن به، ويسلك بموجبة نجاة نفسه وتجاه الآخرين وتجاة الكائن الأسمي أيضا.

مع الاحتفاظ الكامل بعقلانيته وحريته، كان كانط رافضا بشكل كامل لسلطة رجال الدين، ويذكر أنه كان من تقاليد الجامعات الألمانية، أن يطوف الأستاذة والأداريون والطلاب في أول يوم دراسي.

(اليوم الأكاديمي) بالمدينة حتي يصلوا في الختام إلي الكنيسة الجامعة حيث يصلي الجميع، وينالوا بركة رجال الدين.

كان كانط يطوف مع الموكب حتي إذا إقترب من الكنيسة،إنصرف عن الموكب .

الجدول اليومي الصارم لكانط:

إشتهر بجدوله اليومي الصارم، حتي أن جيرانه كانوا يضبطون ساعاتهم علي وقت خروجه للمشي يوميا، في الساعة الرابعة والنصف عصرا.

مرتديا معطفه الرمادي،وعصاة في يدة،يذكر أنه لم يتأخر عن هذه النزهة غير مرة واحدة،بسبب إنشغاله بقراءة رواية (إميل) للفرنسي جان جاك روسو.

ولا يزال الشارع الذي كان يسير فيه يسمي ب (نزهة الفيلسوف) كان يستيقظ يوميا في الساعة الخامسة صباحا.

ويذكر عن نفسه إن لم يستغرق في النوم لما بعد الخامسة صباحا، علي مدي ثلاثين عاما ويبدأ يومه بشرب القهوة ثم الكتابة ثم المحاضرة ثم الغداء ثم الخروج للتنزهة والمشي.

كما أنه كان يخلد للنوم في العاشرة مساءا،وبسبب إعتلال صحته كان لا يتنفس إلا من أنفه،في البرد.

ولذا لم يكن يسمح لأحد بالحديث معه أثناء نزهته اليومية خاصة في فصول (الشتاء والربيع والخريف).

إذ سيضطر إلي التنفس من فمه وكان دائما يقول :(الصمت خير من المرض).

ويذكر ديورانت أن كانط طبق الفلسفة حتي في ربط جواربه،فكان له طريقه خاصة في ربطها برباط يمر بجيوب بنطلونه.

وكان يفكر في كل شيء تفكيرا طويلا قبل أن يقدم عليه.

كانط والعمر كله كان للعلم:

إلتحق كانط بجامعة المدينة (كونيجزبرج) في سبتمبر عام (١٧٤٠) تعلم كما في المعهد الكلاسكيات الرومانية.

واستظهر الكثير من نصوص الادب اللاتيني الشعرية والنثرية، وفي الجامعة حضر دروس ل(مارتن كنتوسن) في الفلسفة والرياضيات ومحاضرات شولتس في علم أصول الدين

ودروس في الفيزياء، ولكن بسبب ظروفه المادية، ترك الدراسة ليعمل مدرسا، خصوصيا لدي بعض الأسر الثرية في المدينة وريفها.

إلا أنه تابع دراسة في أوقات فراغه ،وأعد رسالة الماجستير،وأطروحة الدكتوراة، عام (١٧٥٥) بعنوان (في النار).

كما أعد أطروحة ثانية عن (المباديء الأساسية للمعرفة المينا فيزيقية) سمح له بعد ذلك إن يحاضر في الجامعة بوصفه معلما خاصا

الفقر رفيق الدرب..

لقد عاش أغلب فترات حياته وخصوصا شبابة في حالة إقتصادية سيئة، حيث ولد في عائلة فقيرة وتحمل مسئولية الإنفاق علي أسرته.

وهو في العشرين من عمره، كما أنه ظل يعمل في الجامعة بدون دخل ثابت لسنوات

وقد رفض طلبه الأستاذية مرتين وظل فقيرا ينتقل من منزل لآخر وحاضر في مواضيع متباينة من أجل إجتذاب عدد أكبر من الطلاب.

وكان يحاضر بلغه واضحه، لتيسير العيش له لكنه إشتهر بغموضه وعدم فهمه.

وكان يتقاضي راتبه من رسوم التي يقرر الطلبة دفعها، استمر علي هذا النحو خمسة عشر سنة ،إلي أن خلا كرسي المنطق ،والميتافيزيقيا فعين فيه سنة(١٧٧٠حتي سنة ١٧٧٩).

وفي سنة (١٧٨٠) أصبح عضوا في الملكية للعلوم في برلين وتولي عمادة كلية الآداب ٥ مرات.

وكان مديرا للجامعة لفترتين كل فترة سنتين.

واستمر في عمله في إلقاء المحاضرات وإجراء البحوث.

كانط وحياة العزوبية:

كان أشهر عازب، ولكنه ليس الفيلسوف الأوحد في ساحة العزوبية فهناك (افلاطون، ديكارت، هوبس، لوك، هيوم ،ليبنيتز).

إلا إنه حاول الإرتباط مرتين، الأولي حين تعلق بأرملة حسناء، كانت أجنبية من مكان غير مدينته.

كانت تزور أقاربها في مقاطعة (كونيفسبرغ)وقتها أراد كانط الأرتباط بها لكنه تراجع بسبب فقره ودخله الضيئل.

فراح يؤجل قرار الأرتباط وفي المرة الثانية تعرف علي أنسة جميلة، جذابه من (وستفاليا) كانت مرافقة سفر لسيدة نبيلة.

لديها أملاك في بروسيا الشرقية، وقد إجتمع كانط بالفتاة في عدة إجتماعات فقد كانت فتاة رقيقة.

تحسن القيام بالأعمال المنزلية وأبدي كانط تعلقه بها،لكنه تردد كثيرا في التقدم إليها.

وحين فكر في الذهاب إلي زيارتها،كانت قد غادرت بروسيا ووصلت إلي حدود(وستفاليا).

ومنذ ذلك الوقت لم يفكر كانط في الزواج.

نهاية الرحلة واستمرارالفلسفة..

في عام (١٠٠٨_١٨٠٣) اصابت كانط نوبة قلبية، فلازم الفراش طيلة أربعة أيام، ثم نهض لتناول الطعام مع زائريه.

لكن قوته بدأت تتلاشى، وفي الساعة العاشرة من صباح (١٢_٢_١٨٠٤) سمعه أحد تلاميذه يهمس بآخر كلماته (حسن).

وأغمض عينيه يقول أحد مرافقيه كان موته توقفا للحياة ،لا فعلا عنيفا للطبيعة ودعت مدينة وجامعة (كونيغسيرغ) فيلسوفها في مأتم مهيب.

ودفن في قبو الأساتذة في مقبرة الجامعة دون أية مراسم دينية.

وبسبب تقلب الأحوال أنشيء له ضريح في سنة (١٩٢٤) بمناسبة الذكري المئوية الثانية لميلادة.

ونقشت عليه العبارة الشهيرة من خاتمة كتابه (نقد العقل العملي) شيئان فقط يملأن الوجدان،بإجلال وإعجاب.

يتجددان ،يزدادان،علي الدوام كلما أمعن التأمل فيهما إنهم (السماء ذات النجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في صدري)

ويقول :ديورانت عن كانط هذا الفيلسوف الضئيل الحجم الذي لم يتجاوز الخمسة أقدام في طوله والذي إمتاز بالإعتدال، والإنطواء علي نفسه.

كان يحمل في رأسه أعظم ثورة في الفلسفة الحديثة.

فيما يصفه عبد الرحمن بدوي في موسوعة الفلاسفة ب أعظم فلاسفة العصر الحديث.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.